حبيب الله الهاشمي الخوئي
186
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
تأيمها ) بقاؤها بلا زوج ( وورثها ابعدها ) لفقدان الوارث القريب . شبّههم بالمرأة الموصوفة بالأوصاف الخمسة التي هي وجوه الشّبه بينها وبينهم ، فحملها يشبه تهيؤهم للحرب واستعدادهم لها ، واتمام الحمل يشبه مشارفتهم لاستيصال أهل الشّام والظفر على المقصود ، والاملاص يشبه بإجابتهم إلى التّحكيم وجنوحهم إلى السّلم ورجوعهم عن العدوّ وبعد قرب الظفر وظهور أمارات الفتح ، فانّ ذلك رجوع غير طبيعي وغير معتاد للعقلاء كما أنّ الاملاص أمر غير طبيعىّ وخارج عن العادة وموت القيّم وطول الأيمّ يشبه بقائهم بلا صاحب الجاري مجرى موته عنهم وطول ضعفهم وتمادى ذلَّتهم ، كما أنّ موت قيّم المرأة مستلزم لطول ضعفها وتمادى عجزها . وأمّا وراثة الأبعدين فإشارة إلى أنّهم لتقصيرهم في الأمر أخذ عدوّهم الذين هم أبعد النّاس عنهم بلادهم وتسلطوا عليهم وصاروا بمنزلة الوارثين لها ، كما أنّ المرأة الموصوفة بسبب املاصها وموت زوجها لا يبقى لها وارث قريب نسبيّ وسببيّ فيرثها البعيد عنها . ثمّ اقسم تضجّرا من حالهم بقوله : ( أما واللَّه ما أتيتكم اختيارا ) وايثارا للمقام بينكم وحبا لكم ولبلادكم ( ولكن جئت إليكم سوقا ) واضطرارا كان القضاء ساقه إليهم ، إذ خروجه من المدينة دار الهجرة لم يكن إلَّا لقتال أهل الجمل واحتاج إلى الاستنصار بأهل الكوفة إذ لم يكن جيش الحجاز وافيا بمقاتلتهم ، ثمّ اتّصلت تلك الفتنة بفتنة أهل الشّام فاضطرّ إلى المقام بينهم . ثمّ قال ( ولقد بلغني أنكم تقولون عليّ يكذب ) فانّه عليه السّلام كان كثيرا ما يخبرهم عن الملاحم والأمور الغيبية وما يكون قبل كونه كما مضى نبذ من ذلك في شرح كلامه السّادس والخمسين ، ويأتي كثير منها في تضاعيف الشّرح أيضا فكان منافقو أصحابه ينسبونه في هذه الاخبارات الغيبية إلى الكذب لضعف عقولهم وقصور أفهامهم ويقولون إنّه يكذب فدعا عليهم بقوله ( قاتلكم اللَّه ) أي لعنكم وأبعدكم عن رحمته .